من يعيد للعراقيين مفهوم المواطنة ؟
بقلم : الدكتور عبدالله يوسف الجبوري / أستاذ عراقي مقيم في ألمانيا 

عندما يكون العراق للجميع فالكل يصبح مسؤولا عن الحفاظ عما هو مرتبط بالوطن ، وهنا تصبح المواطنة ممارسة يومية حقيقية يعيشها الفرد بكل ممارساتها الأخلاقية والقيمية ، ولكن عندما يجد المواطن نفسه مهمشا بعيدا عن القدرة على تشخيص الخطأ وعدم القدرة في تأكيد الصواب ، فإن الذين يستحوذون على مفاصل الحياة اليومية سوف تزداد لديهم الهمجية في إستغلال البلد لحساباتهم الشخصية ، وهنا يبدأ الرقيب الوطني بالأنكفاء خارج منظومة الفعل الأجتماعي وتتشتت المعايير التي يمكن ان تضبط الفعل الوطني ، وهكذا تذوب المفاهيم والقيم في بوتقة المصالح الفردية التي يبدأ المسؤول الأداري والحكومي والسياسي بالأستحواذ على المفردات ليوظفها من اجل مصلحة فئة معينة دون أخرى ،وهكذا يمكن ان ينهار الجدار الوطني بأكمله فلا يهم المواطن إن كان البلد سوف يعمر أم يستمر التخريب فيه .
ما يدفعني هنا للحديث عن المواطنة  آت من ان الدولة السابقة كانت تشير بوجود فساد إداري ورشوة ومحسوبية رغم صلابة قانونها الأمني ، والسبب كان هو أن العائلة الحاكمة والمدينة المتنفذة والحزب المسيطر ، لا يترك هامشا للديمقراطية لكي يتنفس منها الفعل الوطني ، فكان السراق كثر ، والمحاسبة تقتصر بين الحين والآخر على قلة منهم ، ويترك الكبار يصولون ويجولون ، ويترك السماسرة والنفعيين يخربون البلد وبناه التحتية ، حتى بات الوطن بالنسبة للبسطاء هو البحبوحة البحبوحة التي لا يستطيع ان يغادرها وهو مكرها على البقاء فيها ، وكان الجميع يتمشدق بالوطنية ويريد ان يلوي أعناق الكثرة الفقيرة لتوظيفها لخدمة أغراض القلة الفاسدة ، هكذا كان الأمر ، ولكن المصاب الذي بات عليه العراق اليوم أعظم مما كنا عليه ، فلا نريد ان نترحم على الجلاد الذي أذاقنا المر والهوان بسبب قلة جديدة لا ترحم ولا تدع رحمة الله تنزل على الشعب ليتمسك من جديد بشعاع المواطنة الواهن .
كان مجيء الأحتلال بمثابة الفرصة التي من خلالها استطاع العراقي حقا ان يقول رأيه بعد أنه كان يموت ولا يصرخ ويذبح فلا تجري له دماء ويجوع ولا يتجاسر أن يأكل من عرقه ، كل ذلك انعكس في زمن الاحتلال حيث تبشر الجميع بالخير ، ولكن أين هذا الخير يا ترى ؟
جاءت الحكومة التي مثلها مجلس الحكم وهو التشكيلة التي أراد لها البعض أن تكون منطلقا نحو عراق حقيقي ، بطوائفه وأعراقه وأتجاهاته ، وقد رضي البعض بما تم الأتفاق عليه في الغرف المظلمة ، وانتظر العراقيون ان يتحسن الفعل الوطني من خلال المشاركة الواسعة المرتقبة ، وربما رضي البعض بالتغييب المتعمد تحت يافطة الديمقراطية المرتقبة ، وما أن رحل الحاكم المدني الأمريكي حتى خلف ما هو أسوأ من عهد الطاغية صدام ، خلف لنا دهاليز مظلمة وشتائم وسباقات بين القائمين على أمر هذا الشعب ، خلف لنا مجاميع جاءت لتسلب العراق كل ما يملكه ، لم لا وهم لا يحملون الجنسية العراقية ، ومواطنتهم منحت لدول أخرى ، وقد أقسموا على يمين الدول التي منحتهم الجنسية أن يكونوا مخلصين لها ومدافعين عن مواطنتهم فيها ، وأن يحققوا لها مصالحها ، وما دامت مصالح هذه الدول ترتبط بتدمير المواطنة العراقية ليس عند هؤلاء فحسب ، بل وعند البسطاء من الشعب العراقي الذين أختلط لديهم الحابل بالنابل . لقد أصبحت السرقات يتحدث عنها مسؤولو الدولة الجديدة والمحسوبية كانت مقتصرة على عائلة أو عشيرة فباتت منتشرة من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب ، والترف كان مقتصرا على حكومة واحدة ، فبات الثراء والترف منتشرا على مساحة واسعة من الحكومات التي لا أحد يعرف لها بداية ولا نهاية ، فالكل بات يغرف من نهر العراق ويحرم على الآخرين أن يشربوا ولو قطرة واحدة ، وبان السباق بين المدن للأستفادة على حساب مدن أخرى ، وهكذا يخرج علينا هذا المسؤول وذاك السياسي ويطالب المواطنة ويتطاول ليقول إن العراق أمانة في أعناقنا ، ولكنه يخطط ليسلب البلد ،كل ما فيه ويحوله الى بلده الذي منحه الجنسية يوم كان صدام يسحب الجنسية منهم ، ولا نريد ان نقرعهم ونلومهم على إخلاصهم لبلدانهم التي يحملون جنسيتها ، ولكن ليتركوا الوطن للمواطن الذي بات يشك في أنه عراقي بعد أن بات الظلم والقهر يفوق ما كان يمارسه العهد الغابر .
فالعراق اليوم بحاجة الى المواطنة الحقيقية التي يشعر فيها الفرد أنه مساهما حقيقيا في البناء وفي الرأي وفي المشورة ، لا أن تصبح المواطنة جسرا نحو الحرمان والتحسر على ما يجري في بلد يقال أنه سوف يسعد في ظل الديمقراطية ، تلك التي أتت على ظهور الدبابات الأمريكية وصواريخ كروز القنابل الذكية . الديمقراطية التي جعلت من نساء العراق سبيا مسبيا في أبي غريب وفي النجف وفي الكوفة وفي الكرمة وفي كل شبر من أرض العراق ، الديمقراطية التي حرمت 70% من الشعب العراقي من حق العيش كبقية البشر في أفقر بلدان العالم ، الديمقراطية التي زادت الفقر ونشرت الجريمة المنظمة والتفجيرات التي لا أحد يعرف سببا لها ولا من هم القائمون عليها ، هذه هي التي أضعفت المواطنية في النفس العراقية ، والمطلوب أن يكون العراقيون جميعا مشاركين في الوطن مستفيدين من ثرواته وخيراته عارفين آفاق مستقبلهم ومدركين مالهم وما عليهم لتتأكد المواطنة .


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من نحن ؟ | للإعلان على الموقع | اتصل بنا | ارسل مقالاً | اضف موقعاً | الارشيف
الحدث | سياسة | منوعات | حديث الناس | غماز | رأي | دليل المواقع | ملفات | فلسطينيات | تقارير ومقالات | صور

.

المواد والصور المنشورة وكل ما ورد على الموقع غير قابل لإعادة النشر او التوزيع او الصياغة

جميع الحقوق محفوظة المصدر الفلسطيني للأنباء PS NEWS 2004