|
الحديث
عن المصالحة .. أو المصالح والأحتلال
بقلم : الدكتور عبدالله يوسف الجبوري / أستاذ عراقي
مقيم في ألمانيا
تختلط الأوراق ويتعالى الصراخ بين الحين والآخر ، فمرة الخوف على
الديمقراطية ومسارها المستقبلي في العراق ، ومرة أخرى الخوف من
الحرب الأهلية في حال رحيل القوات الأمريكية والمتحالفة معها ،
واليــوم البحث عن مشترك بين الأطــراف العراقية التي يجــب أن
تلـــتفت الى مستـقبل الــعراق .
فالعراق محتل، وقوات الأحتلال لا زالت على الأرض العراقية ولا خلاف
في هذا ، أو ربما يتصور البعض أن هناك من يريد التشكيك بما نقوله
ويقوله العراقيون وغيرهم وتعترف به امريكا وغيرها ، وهناك قوة
وطنية مناهضة للأحتلال وهذا حقها المشروع في الدفاع عن الوطن
ومستقبل الأجيال التي ربما لا تجد في ديمقراطية مستوردة ما يمكن ان
يحقق لها اهدافها في المستقبل بعد أن يقع الفأس بالرأس بحسب المثل
الشعبي العراقي ، يقابل هذا قوى أتت مع الأحتلال وأصبحت تطالب
ببقاء القوات المحتلة بدعوى الخوف من المقاومة على الحكومة المعينة
والتي عينها الأحتلال ، وهذا يؤكد أن هناك شرعية لشيء ولا شرعية
لشيء آخر ، فالأحتلال ليس شرعيا وباطلا بحسب أسباب ومسببات مجيء
القوات الأمريكية والمتحالفة معها الى العراق ، وهنا من حق المواطن
العراقي بسيطا كان او سياسيا او مثقفا ان يقف بوجه الأحتلال لا
سيما وان السلوك المنافي للقيم وللقواعد والأعراف الدولية قد
تجاوزتها قوات الأحتلال الأمريكي ، وأثبتت وقائع الأرض أن هذه
التجاوزات خدشت مشاعر وقيم المواطن العراقي ، مما حفز المقاومة
الوطنية اكثر من أي سبب آخر ، ففي أبي غريب حيث أكدت
الفضائح أن هذا السجن شهد أساليبا للتعذيب تتجاوز الحدود الإنسانية
والقانونية والقواعد الدولية الموقع عليها من قبل كافة الـدول سواء
المــتحاربة او الدول التي تحـــــتل دولا أخرى بغير وجه حق .
وعندما نتحدث عن هذه المفارقات بين المحتل وأتباعه وبين المواطن
العادي الذي يرفض الأحتلال للأسباب المتعددة التي لا يمكن تجاهلها
، فإنه من غير الممكن ان نتحدث عن المصالحة لأنها أصبحت خارج ما
يمكن للعقل والمنطق والقانون ان ينطبق عليها، لكي نستطيع أن نلقي
اللوم على طرف وطني متمسك بأهدافه المشروعة وبين طرف ليس لديه
مشروعية لا قانونية ولا وطنية في التمسك بما يريده الإحتلال
متجاهلا الحقوق الوطنية ومتمسكا بأهداب واهية بإتجاه الديمقراطية
المنقولة الى البلد بقوة الســـلاح وتدمـــــير الـــوطن برمــــته
. إذن الحديث عن المصالحة لا بد ان نحدد من خلالها
المصالح الوطنية ، وهنا نطلب من كل الأطراف التي تدعو للمصالحة الى
بيان ما هية الأهداف المطلوبة من الحوار الوطني .. هل من اجل وطن
محتل وبقاء القوات متعددة الجنسيات تصول وتجول في البلد وتسلب
خيراته ؟؟ أم من اجل ان تأتي حكومة تابعة للمحتل وتفـــــــرض
أراءه ومتطلبـــــات أستمراره دون الأخذ بـــنظر الأعتبار
المــصالح الوطنية التي يـــــريدها الشــعب ؟
وإذا أستطعنا الأجابة عن هذه التساؤلات وتساؤولات أخرى فإننا سوف
نصطدم بجدار الوطن واستحقاقات المواطن ومستقبل العراق كبلد وكشعب ،
فالمواطن من حقه ان يقاوم عندما يصبح سفير الولايات المتحدة
الأمريكية هو من يقرر طبيعة العلاقة العراقية- العراقية ،
والعراقية الخارجية ، وهذا امر من حق المواطن ان يرفضه ليس لآنية
الموقف بقدر ما هو خط يمتد نحو المستقبل لنجد العراق كبلد وكشعب
ليس من حقه أن يقرر أبسط مستلزمات العلاقات الوطنية الداخلية
والخارجية ، وعندها سوف يصطدم العراق ببعضه وسوف يخلف هذا التصادم
هزة عنيفة أثارها ستكون مدمرة على المدى الأستراتيجي للمنطقة
وللعالم ، لأن العراق ليس دولة بسيطة وفقا للمقاييس الأستراتيجية
والأقتصادية والثقافية والأنسانية ، بل هو بلد له قدراته البشرية
والأقتصادية التي تؤهله ان يكون مستقلا وبعيدا عن الضغوط الدولية ،
وهذا لا يمكن ضمانه بدون وجود تيار وطني واسع يقاوم الإحتلال
لأخراج العراق مما هو فيه بعد ان تخلص من الدكتاتورية وحكم الفرد
الواحد والعائلة الواحدة ، وبعد ان أتيحت لقدراته البشرية
والأقتصادية الفرصة لأن تلعب دورها في نهوض الشعب العراقي ليساهم
ضمن المنطقة الأقليمية بهذه القــدرات في رسم سياسة مـــتوازنة
ومعقولة بعيــدا عن الأقتتال والتـجاوز على الآخــرين وهدر الأموال
لأسبـــاب تافهة .
فالحديث عن المصالحة الوطنية يجب أن يأخذ بنظر الأعتبار العديد من
المرتكزات التي لا يمكن تجاهلها ، وعلينا ان نوقف الزعيق الأعلامي
واللقاءات الهامشية بين اطراف لا تهمها المصلحة الوطنية بقدر ما هي
حريصة على أهداف الأحتلال وتحقيق مصالحها على حساب المستحقات
الوطنية ومستحقات الوطن والأستقلال ، وهو ما لا يمكن للمقاومة ان
ترضاه ، وإذا رضيت به فإن الشعب العراقي سيولد منه ملايين
المقاومين غدا بدون ان ينتظر الى من ينظمه بإتجاه المقاومة ، لأن
المحتل لا يمكن أن يتخلى عن اجندته الداخلية والأقليمية والدولية
وكلها يدفع ثمنها العراقي من وقته ومن مستقبله ومن اقتصاده ومن
طاقاته البشرية ، وهذا إذا لم يكشف اليوم فإن المستقبل القريب كفيل
بأن يجيب عن تساؤلاتنا التي طرحناها وسـوف يكشف زيف الشعارات
الديمقراطية المستوردة . |