من أبي غريب الى الفلوجة .. الديمقراطية الموعودة !!
د. عبدالله يوسف الجبوري / أستاذ عراقي مقيم في ألمانيا

ما بين الأمس واليوم ليست هناك مسافة يمكن ان نتلمس فيها طريقا واضحا للوصول الى ما كانت امريكا قد وعدت به العالم قبل أن تعد العراقيين بربيع الحرية الموعودة ، فقد أصبح العراقي برأسه الذي ظل شامخا رغم الذهل والهوان السياسي في العهود المتعاقبة ، ورغم غزو هولاكو والصفويين والساسانيين والعثمانيين والانكليز ، هذا الرأس مرغه العهد الجمهوري بالفقر والذل والحرمان من أبسط ما كان يتمتع به الأفريقي الفقير الذي يعيش تحت وطأة الجفاف والأستعمار ، لم يتذكر العراقيون يوما ان خيرهم لهم ، ولا وطنهم أستقر ليحسوا بالأستقرار ،، وجاءت الديمقراطية على ظهور الدبابات وصـواريخ الليزر الموجهة والذكية لتنقلهم من عهد الدكتاتورية الى مستنقع الذل بأسم التحرير والديمقراطية .
فقد شهدت بغداد ما كان هولاكو قد قام به فأحرقت المؤسسات ونهب التأريخ والحضارة وكأنها ملك للدكتاتورية ، ونهبها يعني العودة للوطنية المفقودة لعهود وعقود ، نهب العراق وأحرقت الكتب والمكتبات وذبح المثقفون والعلماء وشردت العقول ، بلد ينزف كل يوم طاقاته البشرية والمادية ، وإذلال الشيخ الجليل والمرأة التي لا تقبل أن يراها الجار أو القريب إلا وقد لفت نفسها بعبائتها السوداء دليلا على الحشمة والحفاظ على القيم الأصيلة والتقاليد فأضحت القيم ان يمد الجندي الأمريكي يده عليها بحثا عن سلاح او متفجرات وهي تلوذ بالحياء والصمت ، لا تقبل أن تصافح قريبا ولا غريبا فأصبح المرتزق الذي جاء من وراء البحار والمحيطات يضع يده على صدرها وردفها ويمس يدها ويقلب جيوبها وملابسها ، لكي يمنحها فرصة المشاركة في حكم العـراق ....... 25% من أعضاء الحكومة القادمة وأعضاء البرلمان يجب أن يكونوا من النساء بحسب قانون بريمر ، هكذا أصبح حال السيدة العجوز التي لم تكن تحلم أكثر من أن يكون أبنها موظفا يجلب لها قطعة قماش سوداء او عباءة من سوق الكاظم أو من سوق النجف .
بساطير المرتزقة باتت تدوس رأس الشيخ الجليل وتمرغ العقال والكوفية واليشماغ ، تلك الرموز التي كان العراقيون يجدون فيها الهيبة والوقار ، أصبحت تحت بساطير الامريكان لأن الديمقراطية تفرض أن يذل هذا الشيخ ، وأن يؤخذ الشباب الى السجن لأنهم وقفوا ينظرون الى مأساة وطنهم تدور فصولها في الشارع فأنكفأوا على وجوههم في بيوتهم ، فما كان بالديمقراطية القادمة على ظهور الدبابات إلا أن تأخذهم الى سجن أبو غريب ، وفوق ذلك كانت الأخوات والزوجات والشقيقات معهم في السجن ،لأن الجندي الأمريكي لم يجد في الدار غير النساء وهو لا بد ان يجد وسيلة ليذل بها العراق ، وجد من تصرخ "وا عراقاه" فما كان منه إلا أن يأخذها الى سجن أبي غريب ، والنتيجة إغتصاب العشرات ، والتمثيل بأجسادهن أمام العراقيين السجناء ليزداد الذل ذلا وليمرغ الشرف العراقي  من أجل ديمقراطية قد لا تختلف عما كان صـدام يدّعيه ويتباهى بأنه يطبق قيم السماء على الأرض ، هؤلاء يطبقون قيم الديمقراطية في بلد لم يشهد التحول بشكل هادئ ومنطقي بأتجاه الديمقراطية ،فخرجت النساء حوامل ، ويشهد العديد ان الأمريكي قد أغتصب فتيات أمام آبائهن وزوجات أمام أزواجهن ، وغير ذلك مما يسهل للديمقراطية ان تسير بشكل طبيعي وتطبق في بلتد الرافتدين ، وتحت شريعة حمورابي وشريعة الله السمحاء ..
لا نريد أن نكون قساة على سادة البيت الأبيض الأمريكي او سادة المنطقة الخضراء في بغداد ، ولا نريد ان نزيد العراقي ذلا وأهانة ، ولكن لنتابع مسيرة الديمقراطية من عهد صدام الى عهد الدكتور أياد علاوي  والنتيجة واحدة:  تطبيق المنهج الديـمقراطي بحد السيف أو تحت فوهة البندقية ، يطبق المنهج في القتل والأذلال ، ويتباهى البعض بأن الديمقراطية الموعـودة لا بد أن نمنحها فرصة لتنمو ولا يهم إن كانت على حساب الشرف والقيم والوطن ، المهم ان ما أراده بوش يجب أن يكون هو الصحيح ، وما كان يريده صدام كان يجب أن يكون هو الصحيح !!  ولأن أبي غريب لم يشف غليل الأمريكي عندما كان الجسد العراقي رجلا أو إمرأة ، المهم ان يتسلى الجنود الأمريكان في أغتصاب النساء والرجال لا يهم،  فالدول الديمقراطية كلها تعرف أن زواج الذكور من الذكور والأناث من الأناث بات قانونيا ويشرع له في الدول الديمقراطية ، وما دام العراق مقبل على هذا المنهج الديمقراطي والذي يريده البعض ان يصبح ولاية أمريكية ، فلا بد أن يكون هتك الأعراض وأغتصاب الذكور وأشاعة الفساد الخلقي والجسدي ، علامة من علامات تنمية الديمقراطية في العراق !! لم يشف أبو غريب غليل الأمريكي سواء وزير الدفاع أو رئيس هيئة الأركان المشتركة لقوات الغزو في العراق ، وبقدر ما تم من قتل وهتك للأعراض فقد بقي ان يمثل بالجثث ويقتل الجريح وتهدم المساجد ويصبح الشعب الفقير غريبا في بلده ، ولاجئا تحت السماء في أرضه ووطنه فقد كان تحرير الفلوجة لا يختلف عن تحرير العراق ،، فقد تم قتل الشيوخ والنساء وتم تدمير المدينة لكي يتم أعادة إعمارها وبهدية من البيت الأبيض الأمريكي بمبلغ 140 مليون دولار فقط ، ثمن جيد وهناك عشرات المقاولين العراقيين القادرين على إعادة الأعمار يصرفون نصف المبلغ والنصف الآخر يكون لأحد أعضاء الحكومة المؤقتة نصيب فيه ، هكذا هي مسيرة الديمقراطية لكي تكتمل يجب ان يضحي من أجلها الشعب ، والتضحية بالعرض والشرف والمقدسات يجب أن تكون هي في مقدمة ما يضحي من أجله العراقيون لكي تتحقق الديمقراطية بمعناها الأمريكي المعاصر وليس بمفهوم الدول التي تعرف أن الديمقراطية يجب ان تكون من أجل الأنسان وقيم المجتمع لا بديلا لها .
بالأمس كانت فضيحة أبو غريب وقد تناساها الأخوة أعضاء مجلس الحكم ، ولكن التأريخ سجلها لهم كمنجز ديمقراطي لن تنساه الأجيال ، واليوم يقتل جريح أعزل وتتعالى أصوات المدافعين عن حقوق الإنسان في العالم بأسره ، ما عدا الحكومة العراقية ووزير حقوق الإنسان فيها تشغلهم مسيرة الديمقراطية الموعودة ، لنرى ماذا سيفعل السيد وزير حقوق الإنسان ووزير العدل؟؟ ، والسيد رئيس الوزراء بل لننتظر من السيد الرئيس الشيخ غازي الياور  (( حفظه الله ورعاه )) وهو من شيوخ عشائر العراق التي لا تلبس العقال إلا وتأخذ حق الأغتصاب للأعراض ، وهو أبن العائلة التي تعرف بأنها لا تنام على قضية ، لا يلبس بعدها عقال ، ولنكرر على وزير العدل ما هو قانون السيادة إذا لم تكن وزارته قادرة على إصدار أمر توقيف بحق جندي امريكي تجاوز حدود القانون العراقي على أرض العراق وهو ليس بعراقي اللهم إلا إذا كانت وزارته الموقرة سوف تكرم هذا الجندي وتمنحه الجنسية العراقية تكريما له على بطولته في تحرير مدينة الفلوجة ؟؟!! أو ربما سيخرج السيد الرئيس الشيخ غازي الياور أو الدكتور أياد علاوي ليمنحه ، نوط الشجاعة مما قد تم العثور عليه في قصور صدام تكريما لهذا الجندي الأمريكي على شجاعته وبطولته في مقارعة العدو العراقي في الفلوجة ؟؟!!!


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من نحن ؟ | للإعلان على الموقع | اتصل بنا | ارسل مقالاً | اضف موقعاً | الارشيف
الحدث | سياسة | منوعات | حديث الناس | غماز | رأي | دليل المواقع | ملفات | فلسطينيات | تقارير ومقالات | صور

.

المواد والصور المنشورة وكل ما ورد على الموقع غير قابل لإعادة النشر او التوزيع او الصياغة

جميع الحقوق محفوظة المصدر الفلسطيني للأنباء PS NEWS 2004