|
قراءة في مفهوم الحرية عند الرئيس بوش
بقلم:
الدكتور عبدالله يوسف الجبوري /
أستاذ عراقي مقيم في ألمانيا
من التقاليد والأعراف الرسمية ان يؤدي الرؤوساء في الحواضر
الديمقراطية المتقدمة اليمين الدستورية ، أمام لجان وهيئات تمثل
الشعب الذي وقع اختياره على هذا الرئيس او ذاك،
او على هذا الحزب أو ذاك ، وهذا امر يدفع بالمراقبين وصناع القرار
والشعب ، بل والشعوب التي تتعلق بخيوط الأمل للوصول الى
الديمقراطية ، ان تسمع وترى من الرئيس الجديد ما يجدد ثقتها بنفسها
لكي تسير بذات الطريق الذي سلكه هذا الشعب في اختيار رئيسه لكي
يقوده ، لا سيما إذا ما كانت ولايته قد تم التجديد لها لفترة ثانية
وهذه قليلا ما تحدث ، مما يدفع بالكل للوقوف لتقييم مسيرته التي
بدأها في الفترة الأولى ، ومن ثم يتطلعون لما سوف يقوم به في
الفترة الثانية.
وللأسف الشديد أن العالم لا زال يصدم بالرئيس الأمريكي الذي بدأ
ولايته الأولى بحرب وأنهاها بحرب ، وولا يته الثانية قد بدأها
بتدمير شعب كامل وإلغاء لدولة بكامل كيانها السياسي والإقتصادي
ومؤسساتها المتنوعة ، بل لقد دمر بناها التحتية وحاول ان يلغي
هويتها الثقافية ، وربما سيصار الى تقسيمها .. تحت ذريعة لم يستطع
ان يجد لها اجابة وذرائع واهية عديدة ، وها هو يقف اليوم ليتكلم عن
الحرية ويقرنها بالطغيان ، هذه الحرية المفترضة التي تناولها
الرئيس الأمريكي في خطابه بعد أدائه القسم الدستوري (( لقد رأينا
مكامن ضعفنا ، وأطلعنا على مصدرها الأساسي ..)) ، إذن هناك ضعف في
أمريكا، هذا الضعف دفع بها الى ان تواجه مخاطر جمة، والضعف من
وجهة نظر الرئيس بوس يختلف عن الضعف من وجهة نظر الشعوب ، فأرى ان
قوة امريكا هي مكمن الضعف الذي لم تستطع ان توظفه لما يعود عليها
وعلى شعبها وعلى شعوب العالم بالخير ، بسبب أنها تتوق أصلا الى
تجاهل شعوب العالم مستندة الى قوة همجية ، هي قوة السلاح والشعور
أن لها الحق في أستخدامه أينما تريد ومتى ما تريد ، وتجاهلت قوة
الشعوب المكافحة من اجل السلام ، لذلك تبين لها ضعفها في بنية
دوائرها ومؤسساتها ومشاعر الغضب الشعبي الأمريكي الرافض لسياسة
البيت الأبيض الأمريكي عندما دكت معاقلها ومؤسساتها في عقر دارها ،
وذهبت بعيدا لتعالج الضعف بالخطأ وتكرار المأساة ذاتها في التجني
على الآخرين ولجوء الرئيس الأمريكي بشكل خاص على ضرورة تأمين حماية
الشعب الأمريكي من الخطر المحدق فيه ، ولكن بعيدا عن واقع أمريكا
الفكري والسياسي والأقتصادي ، واللجوء الى القوة المفرطة في نقل
الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية المتمثلة بسياسة العدوان
وتدمير الشعوب الى أراضي وبلدان بعيدة ، وقد تكون هذه الشعوب ليس
من مصلحة امريكا ان تحاربها تحت أية مسميات يطلقها الرئيس بوش
تحديدا ، فهي دولة لها قيمها وتحاول ان تبعد الخطر عنها بأن تدك
امن الآخرين ، وتتجاهل مطالب الشعوب وتفترض لنفسها ان يستمع لها
القاصي والداني في مطالبها .
ويضيف الرئيس بوش بعد ان وضع يده – بحسب قوله – على مكامن الضعف ،
فيقول : (( ما دامت مناطق كاملة من العالم غارقة في مشاعر الإستياء
والطغيان ، وكانت معرضة لإيديولوجيات تغذي الحقد وتبرر الجريمة ،
فسيتجمع العنف ويتكاثر ليصبح قوة مدمرة تعبر أكثر الحدود حماية
لتصبح تهديدا قاتلا ..)) يأتي الرئيس الأمريكي ليؤكد بنفسه أن هناك
طغيان، وهناك مشاعر للأستياء ، وهناك أيديولوجيات –بحسب تصوره –
تغذي هذا الطغيان ليتحول الى عنف ، وهذا العنف لا يمكن للحدود ان
تمنعه فيعبر ليصل الى كل مكان ، وفاته ان يقول : أن الطغيان يولد
رد فعل قد يفوقه في القوة . أمريكا بطغيانها وتجاهلها لقدرات
الشعوب وحقوقها دفعت بالحقد أن يحول الى عنف ، تفجر هذا العنف
وتزامن مع التطرف لمواجهة القوة الغاشمة التي ترفض ان تسمع او ترى
من يقول لها أنك قوة مدمرة وغاشمة وسالبة للحقوق المدنية
والإنسانية ، ولم يتساءل مع نفسه من دفع بالشعوب الى التطرف غير
سياسة امريكا ذاتها عندما تجاهلت حق الشعوب في تقرير مصيرها ،
وفرضت حكاما كانت هي تريدهم من اجل أن يواصلوا إذلال شعوبهم ،،
ويسلبوا خيرات بلادهم لتصب في مصلحة امريكا لوحدها .
من الذي خلق الحقد لدى الشعوب ؟ أليس الكيل بمكيالين هو الدافع
الأساس لهذا الحقد وهذه الكراهية ؟؟ ألم تكن معظم الشعوب مسالمة ،
وتطلب معونة الأقوياء لنفض غبار الهم والجوع والفقر فيأتي القوى
القهار القادر على أن يدمر ويبني ، فيدمر أو يطلق أيدي وكلاءه
ليدمروا كل شيء كما هو الحال في الأحتلال الأسرائيلي لفلسطين ،
وقتل الأطفال والشيوخ والنساء تحت مسميات وضعتها امريكا امام
العالم ، وتجاهلت ان الشعوب عندما تتحول الى سيل عرم فأن القوة
الغاشمة ربما تتلاشى أمام هذا السيل العرم ؟؟ ألم يفهم الرئيس
الأمريكي تاريخ أمريكا في فيتنام ؟؟ إذن لماذا يطلب من الشعوب ان
تقبل بفكرة الغزو مرة ثانية وتحت مسميات مرفوضة وحجج واهية ؟
يعود الى رشده الرئيس الأمريكي ليقول :
ثمة قوة واحدة في التاريخ تستطيع التغلب على مشاعر الكراهية
والأستياء وتفضح ذرائع الطغاة ، وتكافيء آمال ورجاء أولئك الجديرين
بالإحترام والمتسامحين ، وهي قوة الحرية والأنسانية ..
في هذه الفقرة يعود الرئيس الأمريكي جورج بوش ليعترف أن التأريخ
مليء بالأمثلة على أن الكراهية والأستياء يقابلهما الحرية والتسامح
والأنسانية ، ولكن لم يسأل نفسه لماذا جاء الى العراق ليهين المرأة
والشيخ والطفل ، ويسمح بأن يقتل جنوده الجريح الأعزل ، ويهتك جنوده
أعراض النساء والرجال في أبو غريب وفي الفلوجة وفي البصرة ، بل ألم
يعرف أن جنود حلفاؤه أيضا ساروا بذات الطريق ؟؟ فلماذا لا يتوقع أن
هذا الأستياء من الطغيان تحت شعار الحرية والتحرير بات مكشوفا
للعالم ؟ وهكذا فإن الحقد والكراهية لأمريكا أزداد اكثر من ذي قبل
ومن قبل العراقيين أنفسهم بعد ان ذاقوا طعم الحرية برحيل الطاغية
والدكتاتور المجرم ليحل محله آلاف الطغاة والمجرمين من ساسة البيت
الأبيض الأمريكي وصقور وحمائم الإدارة المريكية .
الحرية والإنسانية في مفهوم الرئيس الأمريكي هي الحرية التي تختلط
بدماء الأبرياء من أجل امن جندي امريكي ، والحرية والأنسانية ان
يهدم سور بلد بكامله ويتجمع "الأرهابيون" من كل حدب وصوب على ساحة
العراق كله لتصفية الحسابات بين أمريكا و"الأرهابيين" ، ويذهب آلاف
الأبرياء والأطفال والنساء بسيارات مفخخة هدفها إلغاء الحرية
والأنسانية في بلد عرفه التاريخ قبل ستة آلاف عام وعرفته الحضارة
والرقي والتقدم .
وبدون أي مواربة او خجل يتكيء الرئيس الأمريكي على دفة الشعوب المقهورة ليعلن
ان حرية امريكا لا يمكن ان تكون كاملة بدون تدمير العالم كله،
والسيطرة عليه بقوة السلاح وتحت شعار الحرية والديمقراطية ،، فهو
يقول : إن أستمرار الحرية في بلادنا يعتمد بشكل متزايد على نجاح
الحرية في بلدان أخرى ،، وأفضل أمل في عالمنا هو نشر الحرية في
جميع انحاء العالم .بهذه المقولة المعسولة يجد المراقب أن الرئيس
بوش يفضل أن تكون حرية وأمن بلد كأمريكا مرهون بالحرية في بلدان
أخرى وهذا امر لا غبار عليه ، ولكن لم يستطع الرئيس بوش أن يؤكد
لحاضريه أية حرية لشعوب العالم والقوة الأمريكية مهيمنة على كل شيء
دون ان تفسح المجال لأية قوة ديمقراطية شهدها العالم ان تعطي رأيها
بالحرية التي يحتاج لها العالم ، وتحتاج لها امريكا ذاتها ، لأن
الحرية التي يتكلم عنها الرئيس بوش هي ليست التفكك الإجتماعي او
إلغاء القيم وتجاوز الحدود الإنسانية في التعامل ، بل هي الحرية
التي تمنح جميع الأطراف الفرصة الملائمة لكي يسهموا في بناء
الديمقراطية بشكل متكافيء ، أما ان تفرض على بلد أو على شعب نمط
انت تريده ، وتلغي قيمه بحسبما تشاء ، وتفكك مؤسساته الأجتماعية
والدينية تحت شعارات براقة ، ومن ثم تمارس العنف والأرهاب الجسدي
والنفسي، وتتجاوز على القيم وتهين كرامة الرجال أمام النساء وتهتك
أعراض الفتيات أمام الآباء والأزواج ، ومن ثم تقول أنك تريد حرية
وكرامة لهذا الشعب، وأنك تبحث له عن الحرية لأن حريته تربطها بحرية
بلدك ، وأمن شعبك يبنى على دمار قيم هذا الشعب ،، فهذا امر لا تقره
قوانين الأرض ولا السماء وانك سوف تجـد مــن يزيد مـن الطغيان
لـــيعبر الحدود وقد لا تجد فرصة لحماية نفسك مـن غضب الشعوب
وأولـها الشعب العراقي .
لقد غاص الرئيس بوش في وحل قد لا يخرج منه ، فهو يتخبط أعلاميا بين مفردات لا
ندري كيف تم تجميعها ليرشق بها العالم وهو يبدأ ولايته الثانية ..
(( مصالح امريكا الحيوية وأعمق معتقداتنا هما شيء واحد اليوم . منذ
يوم التأسيس ، أعلنا أن لكل رجل وامرأة على هذه الأرض حقوقا وكرامة
وقيمة لا تضارع ..)).
نحن لا نشك في مصداقية الدستور الأمريكي في أنه أسس لحرية الرجال
والنساء ونادى بالحرية للجميع ، ولكن ليس لكل العالم وفي مفهوم
الرئيس بوش ان العالم لا بد ان يبقى تحت الوصاية لتدبير شؤونه ،
وبدون امريكا لا يمكن لشعب من الشعوب ان يرتقي الى المستوى الذي
يريده ، فهي صاحبة الوصاية ، وهذا الأمر جلي من خلال الأحتلال
الأمريكي للعراق ، والذي أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية ان
الشعب العراقي لا يمكن ان ينال الحرية والديمقراطية ويبني نفسه
ويتصرف بممتلكاته بدون وجود امريكي قوي وهمجي يتجاوز على القيم
وعلى الحدود الإنسانية ، ويهدر كرامة العراقيين لكي يصلوا بعد ذلك
الى مستوى الشعوب ليقرروا كيف يتصرفون من خلال الرؤية الأمريكية ،
وتواجد القوات بآلافها المؤلفة،وتدميرها لكل شيء ومن ثم تسهم
الشركات الأمريكية ببناء العراق من جديد وفق رؤية امريكية ،، رؤية
الحرية والديمقراطية التي تجلب للشعب الأمريكي على حساب الشعب
العراقي وشعوب أخرى تنتظر دورها بحسب رؤية الرئيس بوش !!
(( لذلك فإن سياسة الولايات المتحدة هي السعي من اجل نمو الحركات والمؤسسات
الديمقراطية، ودعمها في كل بلد ،وفي كل ثقافة للوصول الى الهدف
النهائي وهو انهاء الطغيان في عالمنا )) ، إذن المطلوب هو تطبيق
سياسة الولايات المتحدة على شعوب الأرض ، من خلال التعاون مع حركات
ومؤسسات ديمقراطية ، وأمريكا هي التي تدعم هذه المؤسسات ، وربما
تستعمل القوة لكي تخلق مثل هذه المؤسسات ، والعراق خير مثال على
ذلك ، لأن العراقيين رافضون للدكتاتورية لكن لم يتبين أنهم يفضلون
الأحتلال عليها ، إلى ما شاء الله ، وهذه تحتاج الى إلغاء ثقافة
شعب بأكمله من اجل ثقافة جديدة تؤمن بأن الدور الأمريكي لا بد ان
يكون هو الرائد في عملية الحرية والديمقراطية ، وإلا بدونها تصبح
جزء من الطغيان والتطرف والأرهاب .
المتحف العراقي ، ودار الكتب الوطنية والوزارات ما عدا وزارة
النفط ، تؤكد ان الحرية يجب أن تأتي ومعها ثقافة جديدة ، هذه
الثقافة يجب ان لا تمت للشعب بصلة ، ولا الى القيم والعـــادات
والتقالـــيد والدين الأسلامي لأنها كلها ربما تحــرض على العـنف
والطغيان وامـــريكا لا تريد الطغيان .
فمهمة امريكا تتجاوز حدود المعقول ، وتتخطى القيم والأعراف ، وتتجاوز على
المحرمات وتقلل من شأن الدين في المجتمع ، لأن الوصول الى الحرية
(( مهمة لاتتم بشكل اساسي بواسطة السلاح )) ، وهنا تأكيد على ان
المطلوب هو الحرية التي تأتي بها الإدارة الأمريكية بقيمها
وتقاليدها لتفرضها بشكل خفي داخل المجتمع ، وبعد ان تزرع قيم جديدة
وتتأطر هذه القيم بألغاء قيم الشعب المحتل من قبل قواتها ، عند ذلك
يمكن ان يتأكد الرئيس الأمريكي أن خطر الطغيان سوف يقل وتنمو
المؤسسات الديمقراطية ، ويتحول الشعب تحت قوة الحركة الأستخباراتية
وتنمية بذور الفتنة الطائفية أو العرقية الى شعب جديد هو ما تريده
امريكا ليبتعد خطر التطرف عنها، ومن ثم يستقر أمن الشعب الأمريكي
.
ويعود: ان الحرية يجب ان تتم وتسلم مقاليد الأمور الى أصدقاء
امريكا ، لأنه بدون ان يتوافر كم هائل من الأصدقاء لأمريكا في وسط
أجتماعي رافض لكل العملية إلا من باب أنها تحرير من الدكتاتورية ،
فهذا يعني ان العملية الديمقراطية والتطبيقات المطلوبة سوف تبقى
قاصرة عن الأداء المطلوب ، وهنا حدد مفهوم الحرية بتوافر الأصدقاء
..(( إننا سندافع عن أنفسنا وعن أصدقائنا بقوة السلاح عندما يلزم
الأمر .. )) تتغير لهجة الرئيبس الأمريكي ليلوح بأستخدام السلاح من
اجل الحرية والدفاع عن الأمريكي وعن الأصدقاء ، هذا الدفاع يستلزم
بالدرجة الأساس تدمير بنى عديدة والإتيان ببنى جديدة تنسجم والهدف
الأمريكي او ومفهوم الحرية من وجهة نظر الرئيس بوش . ويؤكد على ان
: (( صعوبة المهمة ليست عذرا لتفاديها وتجنبها .. إن سلطة امريكا
ليست مطلقة ، لكن من حسن حظ المضطهد أن نفوذ امريكا جدير بالإعتبار
وســنستخدمه بغير تردد فــي قضــية الحـرية )) . إذن امريكا مصممة
على أستخدام القوة من وجهة نظر الرئيس الأمريكي ، وبأتجاهين :
الأول : قضية الأضطهاد الذي يعاني مـــنه أصــدقاء امــــريكا ، وهذا يفرض ان
تكون امريكا نصيرا للأصدقاء .
الثاني : أنها لا تتردد في أستخدام القوة من اجل الحرية .
والرئيس بوش يحاول ان يركز اعلاميا في خطابه وفي خطابات عديدة
سبقت ، وينبه الى قضية الأمن القومي الأمريكي ، وأن هذا الأمن
مسؤولية الحكومة ، وان يحافظ على هذا الأمن وبشتى الطرق حتى لو كلف
ذلك امريكا ان تجتاح العالم كله ، وبهذا يخرج من مفهوم التركيز على
الطغيان وضرورة محاربته ليغرق في بحر الطغيان الأمريكي من جديد
ويلغي مفهوم الحرية من وجهة نظر الشعوب ، ويبقى متعلقا بالمفهوم
الذي يريد أن يسوقه الان الى العالم ويقنع به الشعب الأمريكي أولا
يتجاوز حدود المنطق الدبلوماسي لمفهوم الحرية ومساعدة الشعوب
وتقليل الضغوط التي تعاني منها ، كالجوع والمرض والكوارث
الطــبيعية وغيرها ليــتحول الى مخاطبة الحكام قبل الشعوب ، فيقول
: (( سنوضح الخيار امام كل حاكم وكل شعب : الخيار الأخلاقي بين
الأضطهاد الخاطيء دوما ، والحرية الصائبة دوما )) ، أستخدام اسلوب
التهديد المباشر للحكام وللشعوب في آن واحد هو السبيل الى الحرية ،
فالشعوب المضطهدة وغير المضطهدة باتت أمانة بيد أمريكا ، وان لم
يقبل الحكام برأي أمريكا فأن النتيجة الحتمية هي التحرك تحت شعار
الحرية الذي لا بد ان يفهم منه ان هناك قوة يمتلكها الحاكم الأكبر
المتمثل بامريكا، وأنها ستسخدم ضد اي طغيان من اجل الحرية ،
والطغيان هنا لا يتعلق بالحاكم وحده بل طغيان الشعوب عندما تطالب
بعدم تدخل امريكا بشؤونها يعد نوعا من الطغيان، وعلى امريكا
مسؤولية اخلاقية بحسب رأي الرئـــيس بوش تـــخوله ان يتـحرك لأيقاف
هذا الطغيان ، والتأسيس للحرية من وجهةنظرامريكالوحدها.
وبات التهديد واضحا لكل من يقف بالصف المقابل للطغيان الأمريكي ،
بل لقد باتت الحرية بنظر الرئيس بوش هي عملية مطلوبة لأن التحريض
يأتي صريحا على لسانه لأولئك المعارضون لنظمهم حتى وإن كانوا قلة
لإنهم ما داموا اصدقاء امريكا ويريدون الحرية القائمة على المفهوم
الأمريكي فعلى امريكا ان تساعدهم، بل أنها تحرض على ذلك ، وكل من
يحرض ضدها يعتبر خارجا على القانون ، بل يعد من الطغاة الذين ربما
يرتبطون بالأرهاب بشكل او بآخر ، وهو ما يسعى الرئيس الأمريكي ان
يضع الشعوب في إطاره تماما، لكي يسعى لمفهوم الحرية وربطه بمفهوم
الطغاة أو الطغيان ، ولكنه لم يتطرق الى الإرهاب مباشرة ،، وتجاهل
الحديث عن التجربة الامريكية في العراق وأفغانستان
.
لقد بات من الواضح ان مفهوم الحرية لا يقبل الجدل ولا يقبل القسمة
، فهو المنظور الأمريكي الوحيد وما عداه لا يمكن ان نراه او نقبل
به .. إن امريكا ومن خطاب الرئيس بوش باتت عازمة على أقامة نظم
بحسب ما تريدها ان تكون ، وليس لشعوبها دور في تحديد ملامح هذه
السياسات او الحكومات ، ويبقى شيء واحد هو المفهوم الأمريكي للحرية
الذي يتعلق به الرئيس بوش في بداية ولايته الثانية ليظهر للعالم ان
القوة التي تم استخدامها وبالرغم من يقينه بانها فشلت في تحقيق
الدعوة للديمقراطية المزعومة او الحرية ، سوف يتم أستخدامها ثانية
لكن يتطلب ذلك ما يلي :
أولا : معارضة سياسية تكون صديقة لأمريكا
.
ثانيا : حاكم مستبد وطاغية يتشكل وفق ما تريده امريكا ليكون هناك
مبرر لتغييره .
ثالثا : عندما لا تتوافق قيم شعب من الشعوب او منطقة من المناطق مع
القيم التي تريدها وتؤمن بها امريكا فإن أمريكا تصبح مرغمة على
أستخدام قدراتها لتحرير هذه الشعوب من القيم التقليدية المؤمنة بها
. رابعا : إذا كان هناك ما يدل على ان الأمن
القومي الأمريكي بات مهددا من بعيد ، فان امريكا سوف تلجأ الى
القوة لأبعاد شبح الخوف عن الشعب المريكي ، أي أنها تستخدم مفهوم
الحروب الأستباقية .
خامسا : إذا لم يكن الحاكم قد خدم شعبه بالطريقة التي تراها امريكا
، ولم يكن قد كسب ثقة الشعب ولم يحقق العدالة المطلوبة ، فإن
امريكا لن تسير بجانبه، ومعنى ذلك انه مهدد ، وعندما تدخل امريكا
الى بلد فالدمار يجب أن يكون اولا لكل المؤسسات القــديمة ، ولا
بـد ان تتم أزالتها وبناء مؤســسات الحـرية والديــمقراطية وفق
النــظرة الأمريكية . سادسا : إذا تقاطعت عقيدة شعب او
امة مع معتقدات الشعب الأمريكي والسياسة الأمريكية ، فأن مفهوم
الحرية يقتضي ان تقوم أمريكا بدورها المطلوب منها، وذلك بتطبيق
منهج الحرية والديمقراطية من خلال ضرورة تعديل القيم والمناهج
الحياتية والتربيوية والمعتقدات، ووضعها جميعا في اطار عالمي جديد
.
هذه بعض من ملامح مفهوم الحرية لدى الرئيس الأمريكي تم
أستقراؤها من خلال خطابه التأريخي بمناسبة بدء ولايته الثانية ،
والتي أراد من خلالها ان يتجاوز الحدود المسموح بها في التعامل
الدولي ليشهر سلاحه مرة ثانية بوجه الشعوب ، ولكن لم يتناول حرية
الشعب العراقي والشعب الفلسطيني وشعوب عديدة تعاني من الإضطهاد
والقهر الطبقي والأستبداد لأن ذلك ليس من واجب امريكا الان
.
لقد ركز على معاني جديدة أضافها الى العقيدة السياسية الأمريكية
، ولا سيما تلك المتمثلة بأستخدام القوة لتحقيق الأغراض والأهداف،
وتغيير مناهج التربية والتعليم وإلغاء الدين الأسلامي بشكل محدد ،
أو تحجيم دوره الفكري والثقافي والأجتماعي في المجتمع العربي ،
وتجاهل حقوق الشعب الفلسطيني في الأرض والسلام وبناء مستقبله
بالرغم من ان الشعب الفلسطيني يمد يده كلها من اجل السلام ، كما ان
الشعب العراقي ليس من حقه تقرير أبسط مفردات حياته اليومية لا سيما
وان امريكا لا تقبل بأي شكل من الأشكال ان تعترف بهفواتها الكبيرة
في تدمير العراق أرضا وشعبا ودولة وقيما .
لقد تجاهل الرئيس الأمريكي حربه على الأرهاب وأستبدلها بالحرب من
أجل الحرية ووقف الطغيان ، ولكنه لم يستطع ان يتلمس ملامح الطغيان
الأمريكي لا في العراق كدولة تعاني من دمار حقيقي ، ولا في طغيان
الحليف الأستراتيجي لأمريكا في أحتلاله للأراضي الفلسطينية،
وانكاره حق الشعب الفلسطيني في الحرية والعيش بسلام في أرضه وتلمس
مستقبله |