الجدار ... الاختبار الصعب بعد نشوة النصر
بقلم : أحمد برقاوي

   تمكن الفلسطينيون في داخل الأرض المحتلة منذ فترةٍ زمنيةٍ وجيزةٍ من تسيير شؤونهم الانتخابية باقتدارٍ عمليٍّ ممنهجٍ على الرغم مما قد اعتراها من شوائب إجرائية ميدانية كان أهمها المعيقات الإسرائيلية الموضوعيةٍ وخاصةً في مدينة القدس المحتلة ، والتي جاءت على اشكالٍ وصورٍ مختلفة منها تكثيف التواجد العسكري لجنود الاحتلال الاسرائيلي أمام مقار الاقتراع( والتي هي مكاتب البريد الاسرائيلية ) في القدس ، إلى جانب ضيق المكان المتاح لإدلاء الناخبين بأصواتهم في مراكز البريد الإسرائيلي في المدينة المقدسة ، وفوق ذلك تشتت الناخب المقدسي بين المقار الانتخابية لمعرفة إذا ما كان اسمه مسجلاً لديها في الكشوفات المعتمدة من قبل لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، أو ما إذا كان وارداً في كشوفات السجل المدني ، وبناءًا على ذلك أسفرت هذه العوامل مجتمعةً عن مشاركة مقدسيةٍ ضئيلةٍ لم ترق بمستوى الحدث الفلسطيني .
    إذ أن سلطات الاحتلال قد عمدت قاصدةً رغم موافقتها المسبقة بمشاركة الفلسطينيين المقدسيين في انتخابات الرئاسة الفلسطينية إلى وضع العصي في دواليب المسيرة الديمقراطية الفلسطينية الناشئة لاعتبارات سياسية وأخرى سيادية بحتةٍ على صلة وثيقةٍ بالحقوق التاريخية والدينية الشاهدة في المدينة على هويتها العربية - الإسلامية حيث ستُعتمد عندئذ شرطاً رئيسياً للدخول في مفاوضات نهائية قد تحدد وضع القدس ومصيرها في المستقبل ، على الرغم من جملة الإدعاءات الإسرائيلية الزائفة بالحق الديني المقدس في مدينة القدس بشقيها الشرقي والغربي .
    وبطبيعة الأمر تأتي حزمة الممارسات الاحتلالية التعسفية السالفة الذكر من كونها آليات تنفيذية مقرة من قبل الحكومة الإسرائيلية ، وبالتالي فإنها لا تتجاوز جوهر الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي الراهن نحو تدعيم سُبُل التهدئة على الأرض من أجل الولوج في مسار التسوية الذي تُعلق عليه كلتا القيادتين السياسيتين المنتخبتين آمالاً في الوصول إلى السلام العادل والشامل بما يضمن كامل الحقوق الوطنية الفلسطينية من جهةٍ ، والأمن والأمان للشعب الإسرائيلي من جهةٍ أخرى ، بالإضافة إلى الرغبة الداخلية في أن تلتئم الجراح النازفة بين الشعبين ، وأن تسمو روح التسامح على مشاعر الكراهية والعداء لدى الطرفين حتى يسود الاستقرار في المنطقة العربية .
    بيد أن استحقاقات داخلية وطنية وخارجية سياسية كثيرة ستبقى ماثلةً بقوةٍ أمام القيادة الفلسطينية الجديدة ممثلةً بشخص رئيس السلطة الفلسطينية (القيادة السياسية الميدانية لجموع الفلسطينيين المتواجدين داخل الأرض المحتلة) ، ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية (الإطار المرجعي الشامل لكافة فلسطيني الداخل والشتات- الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني أينما وجد) الأخ محمود عباس - أبو مازن ، فمن أهم هذه الاستحقاقات ما سأطرحه على صيغة أسئلة :
 أولها ، هل هنالك بالإمكان في المستقبل القريب أفضل مما كان في الماضي ؟ بمعنى أيهما أجدى نفعاً وفائدةً للشعب الفلسطيني اتفاقات أوسلو التي وضعت في الأدراج الدولية وأقفل عليها ، وباتت طي النسيان وبعيدةً عن حديث وسائل الإعلام برمتها، أم خطة خارطة الطريق ببنودها الأدنى سقفاً من الناحية السياسية والتفاوضية مما كان قد تحصل عليه الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في أوسلو ؟
    وفي هذا المقام ، يمكن القول أن شارون قد أبّن اتفاقات أوسلو منذ أمدٍّ ولم تعُد إسرائيل تقرُّ بها ، وترى نفسها غير ملزمةٍ بالتعاطي مع القيادة الفلسطينية الجديدة على ذات الأسس المعمول بها سابقاً  في النهج التفاوضي الذي حدد سقفه اعلان أوسلو ، لا بل ستبدأ إسرائيل مفاوضاتها مع الجانب الفلسطيني بأقل من ذلك بكثير حيث ستولي المسار الأمني كافة الاهتمام والأولوية دون مراعاةٍ أواكتراثٍ لحاجات المواطن الفلسطيني المُثقل بالأحزان والأعباء جراء ممارسات الاحتلال .
    وفي السياق ذاته ، إذا ما أرادت إسرائيل استئناف عملية التسوية فإن الأمر يتطلب منها رفع الحواجز العسكرية المنتشرة في كامل أرجاء الضفة الغربية وقطاع غزة ، والعودة إلى الوضع الطبيعي الذي كان سائداً قبل اندلاع انتفاضة الأقصى في 28 أيلول / سبتمبر من العام 2000 ، ما يعني حتمية خروج القوات الإسرائيلية من مراكز المدن والقرى التي كانت تحت سيادة السلطة الفلسطينية ، والتي أعاد الجيش الإسرائيلي احتلالها مجدداً بحجة وقف العمليات الفدائية الفلسطينية ، ولأسبابٍ ودواعٍ أمنيةٍ إسرائيليةٍ خاصةٍ .
   بالتحديد فإن موضوع جدار الفصل العنصري الآخذٌ بالتمدد والاتساع على حساب رقعة الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية يعتبر المحك الرئيسي والأول لقيادة أبي مازن وحكومته الجديدة لمدى مقدرتها على اسقاط  مشروع الجدار ، وثنّي إسرائيل عن الاستمرار في ابتلاع أرض الوطن حتى ولو كان التفاوض السبيل الوحيد المتبع من قبل القيادة الفلسطينية ، وفي الجانب الآخر لنا أن نسأل ما مدى قدرة الرئيس عباس على تحقيق ذلك؟
 وما هي عوامل قوته السياسية لارغام إسرائيل على تغيّر مسار الجدار العازل بما يتوافق مع عدم المساس بحدود الدولة الفلسطينية المزمع اقامتها على كامل التراب الوطني الفلسطيني المحتل في العام 1967 ؟
   باختصار بعيداً عن الخوض في جدلٍ عقيم إن بانتظار رئيس السلطة الفلسطينية الجديد محمود عباس اختبار آنيٌّ صعبٌ يتمثل بقضية جدار الفصل الجائر الذي يدنو مُسرعاً الخُطى ليقف أمام طموحات القيادة الفلسطينية الحالية وتطلعاتها بمستقبل فلسطينيٍّ واعدٍ .
     وفي المقابل يتبادر سؤال مُلح في أذهان الفلسطينيين جميعاً إلى ماذا يُمكن أن تركُن الحكومة الفلسطينية المقبلة من وسائل وإمكانيات عمليةٍ لمجابهة خطر الجدار الفاصل المقوض لآمالهم بالدولة المستقلة وعاصمتها القدس ، وهم التواقون للحرية والانعتاق من براثن احتلالٍ
لا يزال جاثماً على صدورهم ؟.
   لذلك يتحتم على القيادة الفلسطينية الدخول في معتركٍ  سياسيٍّ مشوبٌ بالحذر مع الجانب الإسرائيلي ، السبب أن وجود الجدار على الأرض أصبح أمراً واقعاً في الحياة الفلسطينية العامة لا مفر منه إلا إذا تضافرت مجمل الجهود المحلية والإقليمية والدولية لردع إسرائيل وصدها ، وعلى ذلك إما أن يُكتب للقيادة الفلسطينية النجاح في الوصول إلى وضع ما قبل بناء الجدار العازل، أي أن يتم اسقاطه مفهوماً وواقعاً ، وأقرب مثالٍ على ذلك ما صار إليه حال جدار برلين بعد أن توحدت الألمانيتان ، أو أن الفشل مصيرها لعدم نجاحها في الحيلولة دون ايقاف مساعي الكيان الغاصب الرامية إلى اتمام بناء الجدار حتى الانتهاء منه بشكلٍ كاملٍ.
   جماع الأمر فإن الاعتقاد السائد لدى غالبية الفلسطينيين بأن جدار الفصل العنصري بات يشكل عقبةً رئيسيةً في مستقبل السلام ، وحائلاً أمام المشروع الوطني الفلسطيني المنتظر ، وهنا تُعلن بداية المعركة السياسية المُقبلة عليها (القيادة الفلسطينية) المنتشية بنصرها في هذه الأوقات ، وقد صدق حكماء العرب فيما قالوا عندما أقرنوا الفلاح من عدمه بمقدرة الشخص على تجاوز المِحنّ والصعاب ، وفي مثل هذا المقام قيل : "عند الاختبار يُكرم المرءُ أو يُهان" بمعنى إما النجاح أو الفشل سيكون مصير رجل فلسطين الأول بلا شك ما أن يخوض غمار معركة الجدار العازل .


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

للرد : ارسل عنوان الموضوع أعلاه ، عنوان الباب : "الحدث"  ، الاسم ، الدولة الى : reply@p-s-news.com
للإستيضاح ( مع الأمثلة ) : اضغط هنا
 
 

من نحن ؟ | للإعلان على الموقع | اتصل بنا | ارسل مقالاً | اضف موقعاً
الحدث | سياسة | منوعات | حديث الناس | غماز | رأي | دليل المواقع | ملفات | فلسطينيات | تقارير ومقالات | صور

.

المواد والصور المنشورة وكل ما ورد على الموقع غير قابل لإعادة النشر او التوزيع او الصياغة

جميع الحقوق محفوظة المصدر الفلسطيني للأنباء PS NEWS 2004