بوابة فلسطين على شبكة الانترنت

   

لمصدر الفلسطيني

 

 البركان اللبناني والحرب الإفتراضية

د. محمد احمد النابلسي / رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية
      الحرب الإفتراضية هو عنوان الكتاب الصادر لديفيد روزنفلت وجون اركيلا. وملخص الكتاب هو أن الحروب القادمة هي حروب إعلامية. والرابح في هذه الحروب هو الذي يسيطر على الإعلام وبالتالي على عقول الناس.
إن ما جرى في لبنان منذ إغتيال الرئيس الحريري يعتبر حرباً إفتراضية بإمتياز. بل لعلها إحدى أشرس الحروب الإفتراضية المجربة حتى اليوم. فبالعودة الى تطورات سير الأمور منذ الإغتيال نجد المراحل التالية:
1.    رفض عائلة الحريري المشاركة الرسمية في الجنازة. بما يبطن إتهام السلطة اللبنانية كاملة بالمشاركة في الإغتيال. وبالنظر الى التغطية الإعلامية العالمية للجنازة فإن التهمة عممت على الرأي العام العالمي. في خطوة أولى على طريق تحقيق إنقلاب على السلطة.
2.    تركيز الإعلام على المظاهرات القائمة حول الضريح. بما فتح أبواب الإعلام العالمي أمام المتظاهرين على حساب المسؤولين في السلطة اللبنانية. إذ كان بإمكان أي متظاهر أن يبدي رأيه للإعلام العالمي وهو ما عجز عنه الوزراء آنذاك.
3.    إطلاق نظرية التفخيخ تحت الأرض مع الرفض القاطع لإمكانية العملية الإنتحارية. إضافة لتوزيع شائعة قطع الطريق قبل أيام من الإغتيال بهدف تفخيخها. وفي ذلك إتهام صريح لكل المسؤولين.
4.    إعلان السيدة بهية الحريري تكراراً عن ملكيتها لمعلومات تؤكد تورط السلطتين اللبنانية والسورية. في حين لم تقدم مثل هذه المعلومات للجنة التحقيق الدولية.
5.    تجاهل الإعلام والمحللين السياسيين والعسكريين لإحتمال الإغتيال الإقتصادي. علماً بأن الحريري كان رجل أعمال عالمي يخوض مواجهات كبرى. ولا يخفى أن التركيز على الإغتيال السياسي ،دون الإقتصادي، مرتبط بالنتائج التي تمخضت عنها حرب إغتيال الحريري.
6.    تركيز الإعلام على الشخصيات المعارضة لسوريا وللسلطة اللبنانية وفتح المناير الإعلامية أمام هذه الشخصيات.
7.    تحويل كل العبارات الصادرة خلال السجالات الإعلامية المعارضة للحريري قبل الإغتيال الى أدلة إدانة وتحريض لقتل الحريري. حتى تحول الأمر الى كاريكاتور الدعوة لمحاكمة دولية لكل من تلفظ بعبارة معارضة للحريري.
8.    التسويق الإعلامي للشعارات وفي طليعتها شعار " الحقيقة ". في حين كانت تصريحات عائلة الحريري والمقربين منها تبعد هذه الحقيقة وتضللها. فلو راجعنا الفرضيات المطروحة حول هذه الحقيقة لوجدنا أن شريط أبو عدس الذي بثته الجزيرة هو أقرب الروايات المطروحة الى المنطق.
9.    التغطية الإعلامية الكثيفة للتظاهرات المعادية للسلطة القائمة. مع تركيز خاص على أقسام المظاهرات الخاصة بمطالب لبنانية مدعومة من السفارتين الأميركية والفرنسية. كمثل إطلاق جعجع وعودة عون.. والأهم التركيز على الشعارات العنصرية ضد الشعب السوري.
10.                      إستغلال مناسبة الوفاة غيلة لكتم أي صوت يحاول توضيح الحقائق.
11.                      إستعمال مهارات التصوير وخدعه لتضخيم أعداد المتظاهرين.
12.                      تحويل المناسبة الى هايد بارك شبابي والى مناسبة للتعارف بين الشباب.
13.                      توظيف المناسبة لإستعجال تنفيذ قوانين العقوبات الأميركية ضد لبنان وسوريا. ولتعجيل طرح لبنان نموذجاً بديلاً للعراق كعينة للدمقرطة الأميركية. وذلك بتشجيع من دول الجوار العراقي. التي لا تريد تحمل آثار نجاح دمقرطة العراق.
14.                      إطلاق هيستيريا الفولارات لتلوين حركة المعارضة اللبنانية على غرار الثورة البرتقالية اللون.
15.                      التمهيد لخنق الزعامات السنية لعلاقاتها الاستراتيجية مع سوريا التي تشكل عمقاً سنياً لا يمكن لزعيم سني واقعي تجاوزه بغض النظر عن النظام القائم في سوريا. وبغض النظر عن الدعم الذي يلقاه هذا الزعيم حتى لوكان أميركياً – سعودياً مشتركاً. ولقد نجحت عملية الخنق هذه بحيث تم إبعاد هذه الزعامات السنية عبر الإنتخابات المتممة للحرب الإفتراضية.
        بعد هذه النماذج عن الحرب الإعلامية تقودنا المراجعة الى خطوات الإعداد المتأنية لهذه الحرب. حيث تضمن الولايات المتحدة السيطرة على الإعلام الأجنبي. أما الإعلام اللبناني والعربي فهو تحت السيطرة السعودية الكاملة. مع تولي الحريري مهمة السيطرة على الإعلام اللبناني بعد إغتيال تلفزيون لبنان الرسمي ( يطرح اليوم للخصخصة). ومن مظاهر هذه السيطرة الإعلامية المطلقة نذكر الوقائع التالية:
-      لدى مراجعة المقابلات القليلة التي أجرتها قناة الجزيرة مع مسؤولين لبنانيين نجدهم جميعاً يشكرون القناة على الفرصة الإعلامية التي لم تعد متاحة لهم!.
-      في إحدى هذه المقابلة يشكو الوزير منقارة من عجزه عن إيجاد جريدة لبنانية تقبل بنشر مقالة له!.
-      بدأ التحرك الإعلامي مبكراً فبعد أقل من ساعة على عملية الإغتيال تلقيت عدة إتصالات صحفية تريد تصريحات عاطفية لتأجيج المشاعر وإطلاق الحرب الإعلامية.
-      إن مراجعة الحقن العاطفي الذي مارسه تلفزيون المستقبل تبين أنه كان يعد لحرب حقيقية لم يلبث وأن دعمها بأغاني حماسية. حتى أنك تفاجأ بوجود أشرطة مسجلة عديدة تجمع أغاني المناسبة الحماسية!؟.
-      حاولت النائبة بهية الحريري إختبار دلال إنسحاب آل الحريري من السياسة فأعلنت هذا الإنسحاب. ولما لم يلقى الممانعة الشعبية المرجوة للمطالبة بعودة الحريريين عادت العائلة الى السياسة دون حاجة لدعوتها!.
-      تبين أن المشرفين على تظاهرات الجنازة تلقوا تدريباً على تنظيم المظاهرات قبل عامين من الإغتيال!.
-      إن ما تكشف عن حجم السرقات من أموال الجنازة وتوابعها يبين أن الإنفاق عليها يتخطى الحدود المتخيلة!.
-      تلقت الفضائيات المحرضة على السلطة وعلى سوريا مبالغ كبيرة وصلت الى حدود المليون دولار يومياً لإحداها!.
-      من الصعوبة بمكان حصر نفقات المرحلة من الوفاة الى الإنتخابات. لكنها كبيرة بحيث تقتح أبواب الخيال لدى البعض.
-      بينت هذه الفترة وقوع الصحف اليومية اللبنانية تحت السيطرة الحريرية المطلقة. في حين تسيطر السعودية على الصحف العربية الكبرى وتؤثر بقية الصحف العربية الحياد.
            ولكن ما هي الرواية التي روجتها هذه الحرب الإعلامية الشرسة؟. إنها رواية "العدو السوري". وهي رواية معتمدة لدى فئة العنصريين اللبنانيين الرافضين لعروبة لبنان. وأيضاً لدى معارضي إتفاق الطائف وكذلك لدى المتضررين شخصياً من الوجود السوري. وللأسف فإن الفئة الأخيرة واسعة ممتدة بسبب تراكم الأخطاء السورية وأهمها:
-      تجاهل واقعة حساسية المدنيين في التعامل مع العسكر حتى لو كان العسكر الوطني. من هنا كان من واجب السوريين إبدال التعامل العسكري بتعامل سياسي خارج الإطار الأمني. بجيث كان من الواجب منع العسكريين السوريين عن التعاطي في الشأن السياسي اللبناني. وهذا ما حاولته سوريا بعد فوات الأوان بإيفادها السفير المعلم.
-      إهمال المصالحات التي كانت واجبة عقب اللجوء الى العنف بضغط الظروف والمتغيرات. وبذلك تركت المشاعر السلبية تجاه السوريين للإزمان.
-      قصور الإعلام والدعاية السوريين. أقله لجهة عرض الخسائر البشرية السورية في لبنان التي بلغت ثلاثين ألف قتيل. عداك عن التسهيلات الإقتصادية وفتح الأسواق السورية أمام المستهلك اللبناني وغيرها من التضحيات السورية التي لم نعد نجروء على تعدادها فنتركها للوقت.
-      الدخول السوري الى سوق التجزئة اللبناني ( المفرق). وهو دخول يثير عامة الشعب لأنه يشعرها بالمنافسة على قوتها اليومي. في حين تحقق دول أخرى أضعاف المكاسب السورية من السوق اللبنانية ولكن دون أن تدخل سوق التجزئة. مثال ذلك أن المنافسة السورية كانت على صعيد العمال اليوميين غير المؤهلين. والواحد منهم لا يكسب أكثر من عشرة دولارات يومياً لكنه يكسب في المقابل عداوة المئات من العمال اللبنانيين. وكان على السوريين أن يتنبهوا للحملات الإعلامية التي قامت ضد هؤلاء العمال.
-      إعتماد السوريين لمبدأ القمع العنفي في الأزمات وهو غير مألوف لدى اللبنانيين. وهو قد خلف مشاعر بالغة السلبية كما رأينا.
-      التورط السوري في تبني شخصيات سياسية ضعيفة لأسباب تكتيكية ومعه محاولات تخطي بعض الشخصيات المؤثرة. مما جعل هؤلاء يلجأون الى دمشق لحل إشكالات بسيطة لم تكن تستأهل هذا التدخل. وهذا ما أوحى بتدخل سوري أكبر كثيراً من حجم التدخل الفعلي.
          ولكن ماذا عن الإستراتيجية المعتمدة في الحرب الإفتراضية اللبنانية؟. لقد إعتمدت هذه الحرب على التعامل مع الفئات اللبنانية وفق المنطلقات التالية:
-      التجميع المبكر للفئات المعادية لسوريا وتقديم التدريب والدعم لها مع وعود بتحقيق أهدافها الأساسية.
-      تشجيع الفئات المتضررة من التمديد من أجل التمرد على السلطة وسوريا معاً. مع التأكيد على ممارسة الضغوط على سوريا الى ما بعد من إنسحابها من لبنان. وليس سراً أن أوساط هذه الفئات كان يوزع معلومات عن قرب سقوط النظام السوري. أقله لتشجيع المترددين.
-      إثارة المسائل العالقة مثل مسألة المفقودين والمخطوفين والمشاكل الحدودية والعلاقات الإقتصادية وغيرها.
-      التركيز على فضيحة بنك المدينة وفضائح أخرى والتركيز على علاقات المتورطين ببعض المراجع السورية واللبنانية.
-      إغراق مؤسسات المجتمع المدني بالتمويل الخارجي (مخابراتي) تمهيداً لتهيئتها للعب أدوارها في أية أزمة محتملة.
-      إستغلال إغتيال الحريري كشرارة لإشعال الحرب الإعلامية في وجه المسؤولين (لبنانيين وسوريين). إنطلاقاً من كونهم في موقع السلطة لحظة وقوع الإغتيال. وإعتبارهم مشاركين في الإغتيال ( قتلة الحريري بحسب تعابير النائب سعد الحريري المهذبة) وهذا ما لم يحدث لا في حوادث أيلول ولا مدريد ولا في تفجيرات لندن الأخيرة.
-      الإثارة المتزامنة لمواضيع في غاية الحساسية كمثل عودة عون وإطلاق جعجع وعودة أفراد جيش لبنان الجنوبي المستوطنين في إسرائيل.
-      العرض التلفزيوني المسرحي للممارسات السورية العنفية يرويها ممثلون لا يتقنون حتى ذاكرة الكذب لترداد ما لقنوه. وبلغ التطرف عرض مقارنة بين أسرى في السجون السورية وآخرين في السجون الإسرائيلية. وكان علينا كمشاهدين أن نقر بتفضيل إسرائيل على سوريا. ولا تهم هنا مشاعر اللبنانيين ممن لا يزالون في حالة عداء مع إسرائيل.
-      إلغاء وإستبعاد كل يمكن إبعاده من الأحزاب والجهات والشخصيات العقائدية عن المسرح السياسي. وعن الإنتخابات بصورة خاصة. مما أنتج المجلس الحالي وأكثر من نصفه يؤمن بعقيدة الإنتفاع كعقيدة موحدة بين منوبين ممن ليسوا بنواب ممثلين ولا بمندوبين معينين.
-      توظيف إمكانيات مؤسسة الحريري بفروعها ( تيار وجريدة و تلفزيون المستقبل وجمعية الخريجين والجمعيات المتفرعة ومتلقية المعونات.. الخ) ودعمها السعودي للإنقلاب على الوضع القائم قبل الإغتيال. مع إستثمار العلاقات السعودية للتجييش السني المتسعود.
          وكما هو ملاحظ فإن محور تفجير الكراهية في وجه سوريا ،مع كبت أية إشارات إيجابية نحو سوريا، هو المحور الرئيسي في هذه الإستراتيجية. وبالنظر الى تطرف هذه الكراهية لدى بعض الفئات اللبنانية كان على آل الحريري وتيارهم أن يتبنى هذه الفئات وأن يتحالف معها ليؤمن لها التغطية. ولمساعدتها للوصول الى المجلس عبر إنتخابات إفتراضية شديدة الوقاحة المخابراتية.
إن ما يجري في لبنان هو النموذج لطموحات التدخل الأميركي. حيث يتم تفجير التناقضات الداخلية. الذي يدخل البلد في حرب إفتراضية تستخدم فيها القوة الأميركية اللينة ( إعلام ومعلومات). ثم يجري إنقلاب مخملي عبر إنتخابات مبرمجة مخابراتياً. وبذلك تتم الإطاحة بنظام الحكم في البلد. فإذا ما نجحت الحرب الإفتراضية في لبنان فإن تتمة البركان اللبناني ستكون في دول المنطقة الداعمة لتفجير البركان اللبناني.

 
 

مقالات أخرى

 

الماراثون إلى تل أبيت .. والديمقراطية العراقية

 

قراءة بعدية في الانتخابات اللبنانية

 

 هل هناك مقاومة عراقية ؟؟ البنتاغون يعترف وحكومة الجعفري تلوذ بالإنكار

 

الملف : الحلقة الأولى : الشيعة والحكم في الدولة العراقية الحديثة

 

المصدر الفلسطيني

انتخابات الرئاسة الفلسطينية | من نحن ؟ | للإعلان على الموقع | اتصل بنا | ارسل مقالاً | اضف موقعاً
الحدث | سياسة | منوعات | حديث الناس | غماز | رأي | دليل المواقع | ملفات | فلسطينيات | تقارير ومقالات | صور

المواد والصور المنشورة وكل ما ورد على الموقع غير قابل لإعادة النشر او التوزيع او الصياغة

ان المقالات المنشورة على الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأيه وانما تعير عن رأي كاتبيها

جميع الحقوق محفوظة المصدر الفلسطيني للأنباء والديار للتطريز P-S-NEWS ©2005