|
الحلقة الرابعة والاخيرة
الاستشهاد
كانت الاجواء السياسية في نهاية شهر اب من عام
1982
وبداية شهر ايلول كما يلي
:
اولا
:
على المستوى اللبناني:
اكملت القوات الصهيونية انتشارها في الجنوب اللبناني حتى بيروت
الشرقية، وكانت القوى اليمينية المتحالفة مع اسرائيل تشعر وكانها
المنتصرة رغم الخيانة التي تلطخت به جراء تسهيل عبور القوات
الاسرائيلية .
وكانت القيادة اللبنانية تستعد لاجلاء ما تبقى من عناصر الثورة
الفلسطينية العسكرية والسياسية من لبنان ، وكذلك الضغط والتشتيت للقوى
الوطنية اللبنانية ، فبعد خروج المقاومة الفلسطينية قامت القوات
اليمينية المتحالفة مع اسرائيل بالتعاون مع الجيش الاسرائيلي بارتكاب
ايشع مجزرة عرفها التاريخ، ففي
17/9/1982
داهمت القوات اليمينية والقوات الاسرائيلية مخيمي
صبرا وشاتيلا ،وبدات عمليات القتل بحق ابناء شعبنا الفلسطيني في
المخيمات ،
فلم يرحموا طفلا ولا شيخا ولا زوجا ولا اما ،وتجاوز عدد الضحايا
4000
شهيد وشهيدة
.
كانت
صبرا وشاتيلا صورة للهمجية وسقوط الضمير الانساني على مذبح الشرف و
الكرامة الفلسطينية ، المذبحة وفظاعتها لم تحرك النخوة لدى العرب
واكتفت العواصم العربية بالشجب والاستنكار والاسف وقراءة القرآن عبر
اجهزة الراديو والتلفاز .
ثانيا
:
على المستوى السوري:
كانت القيادة السورية قد بدات بالخطوا ت لوضع يدها على لبنان ، ولا
تريد اية عودة للمقاومة الفلسطينية الى هناك بأي شكل .
ثالثا
:
على المستوى الاردني
:
كانت القيادة الاردنية تستعد لاستقبال منظمة التحرير الفلسطينية ولكن
بشكل اخر، اي حسب التصورات الاردنية المعروفة ،وذلك لتغيير مسار
الثورة عكسيا نحو الحل" المرضي" والمخطط له منذ انشاء شرق الاردن وقبل
قيام اسرائيل 1948.
رابعا:
على المستوى العربي:
كانت الدول العربية تسير في الركب الامريكي المعروف و كان العراق
غارقا في حربه مع ايران، وبقية الدول كانت لكل مشاكله الداخلية وغير
معني بالاخرين.
خامسا
:
على المستوى الداخلي لمنظمة التحرير الفلسطينية كانت الامور كما يلي
:
1 .
وزعت القوات التي خرجت من بيروت الى اليمن والاردن وتونس وسوريا
والبقاع اللبناني وكذلك القيادة.
2
. ظهرت نواة انشقاق داخل حركة فتح مدعومة من سوريا، وتركزت في عناصر
موجودة في سوريا ولبنان، وكانت تنظر الاشارة من دمشق.
3.
كان ابو الوليد يعيد تقييم ما جرى من اجل اجراء اصلاح الخلل والثغرات
التي برزت في حرب بيروت ومحاسبة المقصرين، واعادة بناء القوات من
جديد،وهذا كان اهم شيء في تفكير ابو الوليد.
وفي وسط كل هذه الاجواء وفي مساء السابع والعشرون من شهر ايلول 1982يوم
عيد الاضحى المبارك الساعة السادسة وخمس وثلاثون دقيقة ، وكان ابو
الوليد عائدا من جولة له من احدى القواعد الفلسطينية في البقاع، وعندما
اجتاز اول حاجز سوري هناك وفي منتصف الطريق الى الحاجز السوري الثاني
انهمر رصاص التآمر على مارشال بيروت، واصابت الرصاصات الغادرة هدفها
واخترقت احشاء الشهيد ، وقال لمن حوله
)
لقد فعلوها الكلاب(
.
وفي احدى مستشفيات دمشق وفي حوالي الساعة لحادية عشر مساء من نفس ذلك
اليوم صعدت روح الشهيد الى خالقها.
واذاعت وكالات الانباء في جميع انحاء العالم نبـأ استشهاد قاهر
الصهاينة في بيروت، واصيب الناس بالذهول وهم يصغون الى المذياع ،
واصيبوا بالذهول لا لان المارشال استشهد ،كلا ،وان كان استشهاده قارعة
كأشد ما يصاب به الانسان في عزيز صميم، ولكن لان المارشال رجل التحدي
قتل غدرا ،حتى ان النجوم في السماء خجلت من هذا الصنيع.
كان استشهاده محنة ومأساة للاحرار واصحاب المبادىء في هذه الدنيا ،فقد
كانت حياته مثالا عاليا للايمان بالخير والحق في نفس الانسان
.
وسارت
جنازته من المستشفى في دمشق تشق طريقها في شوارع دمشق يحيط بها رفاق
دربه في السلاح والالاف من ابناء شعبه حتى وصلت الى اطراف مخيم اليرموك
لتجد شعبه الوفي ،هذا الشعب العظيم الذي ودع الالاف من الشهداء يحتضن
نعشه، نعش القائد ابو الوليد بطل بيروت
.
ودعته الجماهير وهي تبكي، لم تكن تبكي ابو الوليد المارشال، ولكنها
كانت تبكي ابو الوليد الذي استشهد في الموقع والخندق الاول، لاننا
اعتدنا على قيادات في عالمنا العربي هي دوما في الخندق الاخير ، ولعل
من اهم اسباب هزائمنا ان الجيوش العربية كانت تدار معاركها من العواصم
بعيدا عن الخنادق ، هذا القائد الذي استطاع بحنكته العسكرية ان يسجل
اروع صمود في التاريخ الحديث امام اعتى عدو باسلحته المتطورة ، وتفوقه
العسكري المعروف ، وبعد ان صلى عليه في جامع مخيم اليرموك ووري الثرى
في مقبرة الشهداء في المخيم ، وعادوا رفاقه ليعيدوا الحساب.
لقد رحل ابو الوليد وترك زوجته وتسعة اولاد
:
خمسة
ذكور وهم وليد ويعمل مهندسا في الامارات وهو عضو في المجلس الوطني
والمجلس الثوري لحركة فتح ومحمد ومنير وبسام وفراس وفردوس وفاتن وهن
متزوجات ويقمن في السعودية وفدوى ونهى.
ذهب المجاهد سعد صايل لملاقاة ربه بقلب كله ايمان طاهر وعقيدة راسخة
بحب الله والوطن بعد ان حارب دفاعا عن العروبة وعن فلسطين تاركا
الامانة الثورية القتالية وهي تحرير فلسطين في اعناق الاجيال الصاعدة
من شعب فلسطين .
فاكبر تحية تحييه بها ان تكون على مذهبه ،وان نواصل مشواره حتى لو
اردنا ذلك فوارد الموت كما اورده من قبل ،ولكنه عرف كيف يؤمن ،وكيف
يموت على الايمان فتلقى الرصاص بابتسامة وشموخ ،فكانت اوسمة . فالى
جنات الخلد يل ما مارشال بيروت
الخاتمة
ان
ما كتبت ليس ذكريات او مذكرات بل هو جزء من مخزون الذاكرة الفردية
الملتصقة ابدا بالوطن والثورة ، وهو جزء يسير جدا من تاريخ مرحلة نضال
ومعاناة مقاتلينا.
انني استلهم فكرتي وعطائي من الانسان المناضل الذي التصق به حتى وهج
المحبة والوفاء،من الرجل الذي كان دائما على حق، من القائد ذي البصيرة
الثاقبة وصاحب القدرة على العطاء والتضحية اكثر من اي فرد فينا ، من
القائد ابو الوليد الذي لمسنا فيه الحزم وقدرة ومعرفة القائد وحنان
وقلب الاب.
لقد مرت ثورتنا بمنطلقات حادة وقاسية يصعب الخروج منها لكن الاخ ابو
الوليد والقائد ابو عمار كانا يجتازان بالثورة كل المنعطفات الى بر
العمل الفعال والى النتاج الافضل في كل مرحلة من مراحل النضال ، وكانت
الثورة تتقدم وتتعزز .
ان تاريخ فلسطين سطر بدماء الشهداء ودموع الاطفال و انات الجرحى
واهات الامهات. ان تاريخ فلسطين مطبوع على جدران كل مغارة حمت ثوارنا
من قصف طائرات العدو ، على كل صخرة صدت رصاص جند الاعداء، وعلى ساق كل
شجرة تظلل بها ثوارنا من اشعة الشمس الحارقة ،ومن زخات المطر وعواصف
الرياح .
ان تاريخ فلسطين مطبوع على ارضها ، في سهولها وجبالها بمداد من دماء
شهدائنا على مدى قرن من الزمان .
ان شعبنا يعرف جيدا من هم ابناؤه المخلصون الذين رفعوا راية حريته
وشعلة كرامته ، ويعرف كيف يسطر اسماؤهم بمواد من الاعتزاز والفخار .
ان جذور شعبنا المنزرعة في اعماق الارض الفلسطينية والتي سقتها دماء
ابطالنا ودموع اطفالنا انبتت فوق ارضك يا فلسطين الافا مثل سعد صايل
.
لقد قدمت الثورة الفلسطينية الكثير من الشهداء، لقد رحلوا لكن صخب الدم
لا ينام ،ولا بد لهذه المقدمات من نتائج ،فالمقدمات الصحيحية تثمر
النتائج الصحيحة، ولا يبقى في الوادي الا الحجارة والحصى، وافضل ما في
وادي القضية الفلسطينية شهداؤها
. |